باسم الأمن الوطني...
اليمن
المادة (1): يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.
المادة (2): لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.
المادة: (3): لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
انتهاكات حقوق الإنسان
المقدمة:
يتناول هذا التقرير وضع حقوق الإنسان في أطار الحرب على الإرهاب في اليمن والذي تم أعداده من قبل الاستاذ نبيل رجب (رئيس المركز البحريني لحقوق الإنسان) والأستاذ شريف عازر من مصر حيث تم تفويض كليهما من قبل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان لصياغة هذا التقرير.
جُمع محتوى التقرير من اللقاءات التي قام بها خبراء كلتا البعثتين في شهر أغسطس/2009م والذين التقو مع عدد من المحامين والصحفيين وممثلي المجتمع المدني العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وكذلك أعضاء من الأحزاب السياسية والبرلمان ووزارة حقوق الإنسان (أنظر الملحق 1 للتعرف على قائمة اللقاءات). كما أن الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تأسف من عدم تجاوب السلطات الحكومية اليمنية التي تجاهلت طلبات الفيدرالية المتكررة لعقد لقاءات مع ممثليها فيما عدا ممثلين عن وزارة حقوق الإنسان. وبناء على طلب السلطات اليمنية لتأجيل موعد البعثة ليتسنى لها تنسيق اللقاءات مع الجهات المعنية والمؤسسات الوطنية, تم تأجيل بعثة تقصي الحقائق التابعة للفيدرالية الدولية والتي سبق وتم تحديد موعدها لزيارة اليمن في يناير/ 2009م وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن أحد أعضاء البعثة الفيدرالية من الحصول على تأشيرة الدخول. وعلى الرغم من موافقة الفيدرالية على ذلك الطلب إلا انه ومنذ ذلك الحين والى أن تم تشكيل بعثة أخرى في أغسطس للعام 2009م, تم تجاهل العديد من المبادرات لتحقيق التواصل مع السلطات اليمنية من اجل الترتيب بشكل محدد لهذه البعثة.
كان للهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات " هــود" دور في هذا التقرير وذلك عن طريق تقديم تحليل عن الوضع القانوني للحرب ضد الإرهاب في اليمن.
تم مشاركة أولى الملاحظات الختامية التي خلصت إليها بعثة تقصي الحقائق للفدرالية مع خبراء لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (CAT) في نوفمبر/2009م. حيث تركز التقرير المسلم إلى اللجنة على مراقبة تنفيذ التوصيات السابقة للجنة مناهضة التعذيب المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في سياق الحملة ضد أشخاص متهمين بالإرهاب وبجرائم تمس الأمن الوطني . وفي توصياتها المؤقتة التي تم نشرها في ديسمبر/2009م, دعا الخبراء المستقلين للجنة مناهضة التعذيب بناء على المعلومات التي تلقوها من الفيدرالية الدولية وأعضائها والمنظمات الشريكة في اليمن الحكومة اليمنية إلى "اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان ملائمة الإجراءات القانونية والإدارية وأي إجراء آخر لمكافحة الإرهاب مع أحكام المعاهدة...والإدلاء بالمعلومات حول محتوى ووضع مشروع قانون مكافحة الإرهاب...."
يتقدم مؤلفي هذا التقرير بالشكر الجزيل لكل ما قدموه من إدلاء بشهادة وحسن الضيافة والثقة التي أظهروها. كما يوجهون الشكر لجميع فريق العمل بمنتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان ولمنظمة "هــود" لتعاونهم المستمر والمثمر في جمع المعلومات خلال تلك الفترة.
المحتوى
المقدمة ..................................................................4
I. شيوع ممارسة التعذيب وأساليبأخرىلسوءالمعاملة..............................................7
مفهوم التعذيب .........................................8
التعذيب: ممارسة واسعة الانتشار داخل مباني الاعتقال الأمنية............................8
أخذ الأقارب كرهائن: وسيلة أضافية لترعيب وإكراه المتهم:.....................................10
الحجز الانفرادي.................................................................12
II. الاختفاء القسري والقاء القبض والاعتقالات التعسفية..........................12
اعتقالات جماعية واسعة ولفترات طويلة من دون توجيه تهم أ/و محاكمة.....................15
III. تجاهل ضمانات المحاكمة العادلة وأتساع رقعة الحصانه..................................16
الاستجواب الغير قانوني من قبل ضباط الامن وتساهل السلطة القضائية........................16
قبول اعترافات تم أنتزاعها تحت وطأة التعذيب.......................................17
إفلات مرتكبي التعذيب ومسئوليه من العقاب.............................................18
تقييد الوصول إلى مراكز الاعتقال التابعة للاجهزة الأمنية .........................................19
الدعاوي القضائية المرفوعة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة: تجاهل كافة الضمانات للمحاكمة العادلة......20
IV. مخاوف بشأن أقرار قانون "مكافحة الارهاب"...................................................21
الاستنتاجات والتوصيات............................................................22
الملحق (1): قائمة اللقاءات....................................................................26
الملحق (2): مشروع قانون مكافحة الارهاب..............................................27
المقدمة
عقب محاولة الهجمة الإرهابية الفاشلة على الطائرة المتجهة إلى ولاية ديتوروات الأمريكية من قبل النيجيري الذي يُزعم انتمائه للقاعدة في اليمن في 25 ديسمبر, 2009م, قرر المجتمع الدولي وعلى وجه الخصوص الإدارة الأمريكية تعزيز الدعم لليمن من أجل المساهمة في القضاء على الإرهاب والذي تصفه بالتهديد الإرهابي المتصاعد.
وطدت حملة مكافحة الإرهاب أقدامها عام 1997م بعد تفجير سيارة في عدن في شهر يناير من ذلك العام والذي تم نسبه إلى جماعة إرهابية . ومنذ ذلك الوقت تعرضت اليمن إلى هجمات إرهابية متكررة. كما أن تفجير المدمرة الأمريكية كول على ميناء عدن والتي أودت بحياة 17 بحار في شهر أكتوبر 2000م كانت حجر الأساس للتعاون الرسمي بين الجهات الأمنية الأمريكية واليمنية وأعيد تأسيس الشراكة من بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي نوفمبر 2002م لم تحرك السلطات اليمنية ساكناً أمام ما يعتبره البعض انتهاكاً على فرض سيادة اليمن على أراضيها عندما أطلق صاروخ أمريكي على أحد قادات القاعدة بينما كان مسافراً داخل سيارة في شمال غرب اليمن أدى إلى وفاته.ونظراً لأنه قد سبق تواجد 108 معتقل يمني في خليج جوانتانامو, فقد كان التعاون الأمريكي اليمني يصب في الغالب على ترحيل هؤلاء المتهمين من مركز الاعتقال في جوانتانامو إلى اليمن. وفي يناير وصل عدد لمعتقلين هناك إلى 89 معتقل يمني من عدد 198 معتقل من أنحاء العالم ويعود السبب في ذلك بشكل رئيسي إلى فشل الحكومة اليمنية والأمريكية إلى الوصول إلى أتفاق حول التجهيزات الأمنية للمعتقلين بعد ترحيلهم.
وبعد مرور فترة من السكون النسبي,عادت الأعمال الإرهابية في الظهور مرة أخرى في السنوات الأخيرة لتضاعف استهدافها للسفارات والشركات الأجنبية والسياح. وفي 2008م, نسبت العديد من الهجمات الى القاعدة وداعميها ومنها تفجيرات سبتمبر بالقرب من السفارة الأمريكية بصنعاء والذي أدى الى وفاة 16 شخص من بينهم مدنيين.
ومنذ افتتاح حملتها ضد الإرهاب, تحتفظ اليمن بسجلات عنيفة عن حقوق الإنسان بتصاعد مستمر. وبينما يشجع المجتمع الدولي الجهود اليمنية لمكافحة الإرهاب إات أنه تغاضى عن انتهاكات اليمن لحقوق الإنسان. وبلا شك أدى الضغط الدولي إلى أعادة تعزيز الاستراتجيات الأمنية للحكومة اليمنية والتي أصبحت أكثر قمعية. وفي تقريرها للعام 2003م، أفادت منظمة العفو الدولية بأن "العلاقات اليمنية الأمريكية لها صلة مباشرة بتدهور أوضاع حقوق الإنسان في اليمن منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م" حيث باشرت القوات الأمنية بإلقاء القبض الجماعي والاعتقالات وترحيل الأجانب مع تجاهل مطلق لدور القانون والتزامات اليمن الدولية لحقوق الإنسان . وأضافت هذه الانتهاكات البالغة الخطورة إلى الممارسات المستوطنة للحجز الانفرادي والتعذيب والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري.
وعلى أنقاض الاعتداء على الأجانب السواح في محافظة أبين من قبل جيش عدن-أبين الإسلامي في ديسمبر 1998م, تأسست المحكمة الجزائية المتخصصة (SCC) لتمارس صلاحياتها على جرائم مرتكبة كقطع الطرق واختطاف الأجانب (الحرابة) والاعتداء على أعضاء الهيئة القضائية أو اختطاف ضباط الأمن أو أفراد عائلاتهم أو الانتماء إلى جماعات مسلحة تسعى للإضرار بالأملاك العامة أو المواطنين أو إلحاق الضرر بمنشئات النفط وسرقة وسائل المواصلات من قبل جماعات مسلحة.
وبشكل ملموس وفي 2004م وسع قانون جديد من صلاحيات المحكمة لتشمل العبارة الفضفاضة "جرائم تمس الأمن الوطني" .
ومنذ تاريخ تأسيسها, تمت محاكمة المئات من المتهمين بانتمائهم لجماعات إرهابية فيما تم الحكم على العشرات منهم بالإعدام, ولا يخلو الأمر من استغلال هذه المحاكم الاستثنائية والتي تفتقر إلى المعايير الدولية للمحاكمة العادلة لمحاكمة أشخاص لمشاركتهم الفاعلة في الاحتجاجات كتلك التي أندلعت في جنوب البلاد هذا بالإضافة إلى محاكمة الصحفيين والناشطين الحقوقيين. فعلى سبيل الذكر: في يونيو11/2008م, حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة على الأستاذ عبد الكريم الخيواني مدير تحرير صحيفة الشورى بست سنوات سجن ذلك لتغطيته الحرب في محافظة صعده حيث تم اتهامه بدعم الإرهاب والانتماء إلى خلية إرهابية .
وتأتي قضية "الحرب ضد الإرهاب" كجزء من حملة أوسع شنتها الدولة لمعالجة أكبر أزمتيها السياسيتين الداخلية كالاحتجاجات الجماهيرية في جنوب اليمن وحرب صعده (أنظر بالأسفل) والتي تشكل تهديدات بالغة الخطورة على الأمن الوطني. كما تم تسجيل التعامل المماثل مع كلاً من المتهمين بالجرائم الإرهابية وبين أولئك المتهمين بالمساس بالأمن الوطني أو بالأكثر أتساع "المساس بالوحدة الوطنية" . وبالقاء نظرة على النزاع المسلح الداخلي في محافظة صعده والذي يقوم بين الجيش اليمني والمعروفين بالمتمردين الحوثيين والاستخدام العرضي لمصطلح الإرهابيين من قبل السلطات اليمنية لتأهيل أولئك المتمردين يساهم على رفع الالتباس حول سياسات وجهود الدولة الراهنة.
وفي جميع الحالات يقع المشتبه بهم ضمن اختصاص أجهزة المخابرات والأمن والمخولين بصلاحيات واسعة النطاق والتي تشوهت سمعتها السيئة من جراء تجاهلها لحقوق الإنسان. وحتى وإن تم تقديم المتهم للمحاكمة ففي جو يسوده انتشار المحاباة وعدم المسائلة, فالمحاكمات تجري أمام المحكمة الجزائية المتخصصة والتي لا تقدم أي من الضمانات للاستقلالية وعدم الحيادية ولا تتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وبالإضافة إلى ذلك, أن المفهوم المبهم للجرائم التي "تمس الأمن الوطني" تسمح باحتجاز واعتقال وفي الغالب محاكمة المنتمين للحركة السياسية السلمية في الجنوب - والتي تسمى بالحراك الجنوبي- والصحفيين والناشطين الحقوقيين والاكادميين وصناع الرأي الآخرين الذين يدينون الانتهاكات والمرتكبة في سياق حرب صعده. فيما تعرض ألآف من المواطنين للاعتقالات التعسفية لممارستهم حقهم في التجمع السلمي وحرية التعبير وتقديم العشرات لمحاكمة الغير عادلة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة.
وبذلك يتم استغلال الحرب ضد التهديدات الإرهابية وبتوسيع نطاق التهديدات ليشمل الامن الوطني بالكامل في اليمن كذريعة لكبت جميع أنواع المعارضة. كما أن الإقرار القادم لمشروع قانون مكافحة الإرهاب والذي لا يحتوي على أي من الضمانات للممارسات الشرعية لحرية التعبير وحق التجمع سيمهد الطريق لأستمرار الانتهاكات الروتينية على الحريات الأساسية لتستمر على ما هي عليه بكامل قواها .
السياق السياسي للسياسة الأمنية القمعية المتزايدة:
تدرك الحكومة اليمنية حجم الخطر الذي يشكله الإرهاب الا أنها تواجه بالإضافة الى ذلك أزمتين سياسيتين داخلية والتين اندلعتا على التوالي في عام 2004م وعام 2007م. ونظراً لفشل السلطات اليمنية والأطراف الأخرى في في التفاوض على حل سياسي, تفاقمت هذه النزاعات على نحو متزايد حتى أصبحت تشكل عبء سياسياً واقتصاديا ثقيل أدى الى أضعاف الحكومة تدريجياً.
ومنذ يونيو/2004م, أصبح مشهد النزاع المسلح بين الجيش الوطني وجماعات تطلق على نفسها أسم "الشباب المؤمن" في المحافظة الشمالية الغربية لصعده, المنطقة الجبلية الواقعة على الحدود اليمنية من جهة دولة السعودية العربية, بالغ الوحشية. وراح ضحايا الصراعات الستة المتتالية والعنيفة الآلاف ناهيك عن النزوح الداخلي لما يقارب 200000 مواطن والدمار الشامل الذي حل بالمنطقة (كان آخرها في شهر أغسطس 2009م حيث شهدت وللمرة الاولى تدخل عسكري سعودي). ويطلق على المتمردين لقب "الحوثيين" نسبة الى قاداتهم المتعاقبين وهم حسين الحوثي والذي خلفه من بعد وفاته في ديسمبر 2004م والده بدر الدين الحوثي ومن ثم أخوته يحيى وعبد الملك الحوثي.
وحتى اللحظة لا يزال المتمردين الحوثيين جماعة مبهمة وذلك يرجع الى سببين: الأول يعود الى عجزهم عن اتخاذ أجندة واضحة , والسبب الثاني هو (نجاح الحكومة في تقييد وصول محللين مستقلين الى منطقة صعده وبذلك تكون هي المسيطرة على كل ما يرد عن النزاع. ومن ضمن الخطابات السائدة عن الحوثيين هو تصوير المتمردين على أنهم جماعة عنيفة ومعادية للغرب الى جانب كونها جماعة منعزلة تدعمها دولة إيران وتسعى إلى استعادة حكم الإمام الزيدي الذي كان سائد في شمال اليمن ما قبل الجمهورية عام 1962م. ومع تزايد الروايات واختلافها بشيء بسيط عن بعضها البعض تصف الحوثية بأنها ما هي الا جزء من حركة أوسع ولكن مهمشة لإحياء الزيدية. وتسعى هذه الحركة والتي ظهرت في الثمانينات الى الدفاع عن الهوية الزيدية, وهي فرع من الشيعة المسلمة التي تختلف عن الاثني عشرية السائدة في إيران, والتي يمكن إدراكها على أنه هجوم مدعوم من السُنة من قبل النخبة اليمنية (والذين ينتمون في الأصل الى الطائفة الزيدية ولكن يفضلون دعوتهم بالهوية الإسلامية بشكل عام.).
وفيما تعتبر لحظة حرجة في انحياز الحكومة اليمنية الى الولايات المتحدة في "الحرب العالمية على الإرهاب", فإنه لا ينبغي تشبية الحوثيين بالجماعات الإرهابية مثل القاعدة وإتباعها ذلك انهم لا يستهدفون البتة أي من المصالح الغربية أو السكان اليهود الذين يقطنون بالقرب من شمال اليمن. هذا بالإضافة إلى أن تاريخهم ومرجعيتهم تميزهم بشدة عن الجماعات الجهادية السنية. فالحوثيين هم عناصر فاعلة حقيقية في السياق الحالي لليمن: يعود اسباب النزاع بشكل رئيسي الى المظالم التاريخية المتعلقة بالحرب الأهلية التي تمت معالجتها بطريقة خاطئة في الستينات والثقافة المتواصلة من العنف والتكاثر المسلح الذي لم تقم الحكومة المركزية بمعالجته بشكل حاسم عن طريق السياسات التنموية. وتغذى هذا العنف ايضاً بوقود الحرب الاقتصادية التي أضمرت محفزات اقتصادية بين أوساط الجيش والمتمردين (وبالأخص عن طريق تهريب وإخفاء الأسلحة) وبسبب وجود قوة معينة مكافحة داخل النظام .
ومنذ عام 2007م, تواجه السلطات اليمنية تحديات جديدة للمعارضة في المناطق الجنوبية للدولة والتي تم وصفها هنا على نحو ملائم بـ "توحد شمال وجنوب اليمن في مايو 1990م ولكنها قاومت حرب أهلية قصيرة لفترة وجيزة في عام 1994م والتي انتصر فيها الشمال". ويعارض اليمنيين في الجنوب عزل السلطات المركزية آنذاك للعديد من الجنوبيين من الجيش والتوظيف في المراكز الحكومية وحرمت اليمن الجنوبية من المشاركة العادلة في الموارد الوطنية. كانت الاعتصامات في 2007م في البداية بقيادة ضباط الأمن المتقاعدين والذين كانوا يطالبون بزيادة المعاشات التقاعدية أو تحسين وضعهم وجمح الفساد ومشاركة اكبر لعائدات النفط. ومن ثم تم قيادة هذه الاحتجاجات من قبل الحراك الجنوبي وهو عبارة عن تجمع كبير لقيادات المعارضة الذين تصاعدت مطالبهم لتصل الى المطالبه بالانفصال وتشكيل دولة مستقلة" .
شيوع ممارسة التعذيب وأساليب أخرى لسوء المعاملة:
"أكتب اليكم من جحيم الأمن السياسي حيث أقبع فيه منذ أختطافي لما يزيد عن ثلاث سنوات مضت. وطيلة بقائي هنا لم أعرف ماهية التهم المنسوبة إلي. وفي الواقع لا أحد يعلم هنا ماهي هذه التهم. في أحدى المرات تم أخباري بأني إرهابي وفي المرة الثانية أنا جاسوس لسفارة ما. ولقد طلبت تقديمي للمحاكمة ولكنهم أخبروني بأنه ليس لديهم أي دليل ضدي. أقول: أذاً قوموا بترحيلي الى بلدي أو الى أي بلد آخر حتى ولو إسرائيل. أسمحوا لي بالزيارة أو دعوني أتحدث الى أي شخص للسؤال عن زوجتي وأطفالي ولكن كل هذا يعتبر محرم هنا. وفي أيام مضت سمحو لزوجتي بإرسال الطعام لي ولكن حرموني من رؤيتها لما يزيد عن الثلاثة أعوام. أرى هنا أشياء لا تخطر ببال أحد, أشياء لم يسمع بها قط ولو حتى في جوانتانامو. أقبع في زنزانة انفرادية لا تصلها الشمس أو الهواء. وتزن السلاسل التي تقيد قدماي ما لا يقل عن 10 كيلوغرامات والسلاسل ذاتها تقيد يدي. ولا أعرف ما نوع الإصابة التي تعرضت لها قدماي. الطعام لا تقبله الكلاب. كما أن الملابس التي تعطى لي رثة وأكاد أموت من البرد. الإذلال والتعذيب الجسدي والعقلي وراء ما تتصور. لم أتخيل أبداً أن تحدث هذه الأمور هنا في اليمن. أنا أحثكم جميعاً للتحرك من أجل أنصاف قضيتي. أطلبوا منهم تقديمي للمحاكمة أو حتى إعدامي سيكون ذلك أفضل من الوضع الذي أنا عليه- أو أرسلوني الى أي بلد. أسألوهم عن قضيتي ولما يمنعوني من رؤية زوجتي وأطفالي. أنا مستعد لقبول أي حل حتى وإن كانت عقوبة الإعدام."
والسلام
جمال همام
تلخص هذه الرسالة الوضع المتدهور لحال حقوق الإنسان في اليمن خلال السنوات القليلة الماضية. سجناء منسيين, اختطافات, اختفاء قسري, القبض والاعتقالات التعسفية, الحجز الانفرادي بمعزل عن العالم الخارجي, التعذيب وسوء المعاملة, الحرمان من المساعدات القانونية والطبية , انتهاك حرية التعبير واضطهاد الهويات الطائفية أو الآراء السياسية القائمة على خلفيات أمنية.
هناك تدهور مستمر لحالة حقوق الإنسان منذ بداية ما يدعى بـ "الحرب ضد الإرهاب" في عام 1997م. فمستوى وكثافة الانتهاكات والعنف في هذا الإطار وبالأخص أعمال التعذيب والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري في تصاعد ملحوظ. وبعد إحداث تفجير المدمرة كول في أكتوبر 2001م: تعرض المئات من الأفراد للاعتقال والتعذيب. وعقب أحداث سبتمبر 2001م أزداد عدد الانتهاكات بشكل لا يمكن إغفالة. واعتباراً من اليوم, لم يتم تحديد عدد الأشخاص الذين تحتجزهم الحكومة بتهمة انتمائهم للإرهاب أو للأنشطة الإرهابية. وفي الغالب يتم احتجاز المتهمين بقضايا امنية بشكل أساسي في سجون الأجهزة الأمنية. وأفادت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في ملاحظاتها الختامية المؤقتة التي نشرت في ديسمبر 2009م, بأن "على الدولة الطرف تسليم معلومات دقيقة عن عدد المحتجزين وأماكن ألاعتقال التي تديرها أدارة الأمن السياسي والأجهزة الأمنية الأخرى وعدد المحتجزين المحتجزة حرياتهم في مباني الاعتقال هذه". كما أنها عبرت عن مخاوفها تجاه غياب السجل المركزي للأشخاص المحتجزين في السجون .
مفهوم التعذيب
يحظر الدستور اليمني من ممارسة التعذيب . فقد أكد على أن جرائم التعذيب الجسدي أو العقلي أثناء القبض أو الاعتقال أو السجن جريمة غير خاضعة لأي من الاستثناءات القانونية. فالدستور يعاقب كل من يشارك في أعمال التعذيب و من أمر به أو قام به . و لكن مفهوم مصطلح "التعذيب" في الإطار القانوني اليمني مبهم و لا يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب على الرغم من توصيات لجنة مناهضة التعذيب الواضحة بهذا الشأن .
وأفاد وكيل وزيرة حقوق الإنسان أثناء لقائه مع بعثة الفيدرالية الدولية بأن الوزارة قدمت مشروع إلى رئاسة الوزراء تتبنى فيه التعريف المطلق للتعذيب و لكنها لا تزال غير متأكدة من ما إذا كان لاقتراح الوزارة أي صدى بين قرارات الحكومة. ولم تصادق الحكومة اليمنية على البروتكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب ويعتبر ذلك تجاهل آخر لتوصيات لجنة مناهضة التعذيب للعام 2004م و التي أعادت طرحها في 2009م بالإضافة إلى توصيات لجنة الاستعراض الدوري الشامل في سبتمبر2009م .
و منذ استعراض اليمن الأخير من قبل لجنة مناهضة التعذيب للعام 2004م, أزداد عدد دعاوي التعذيب بشكل ملحوظ. و في إطار توسيع إطار "الحرب ضد الإرهاب" و تكثيف الصراعات في محافظة صعده تدهور الوضع الأمني بشكل كبير و الذي تسبب عنه إتباع سياسة تعذيب منتظمة بشكل أكثر من ذي قبل. وصف عضو في لجنة الحقوق و الحريات التابعة للبرلمان التعذيب في اليمن على أنه أصبح أقرب الى أن يكون عمل مؤسسي و منظم أكثر من السابق. كما أن طلبا الزيارة لليمن من قبل المقرر الخاص بمكافخة التعذيب التابع للأمم المتحدة إحداها في عام 2005م و الأخرى في عام 2007م لم تحضي بأي اهتمام من قبل السلطات اليمنية. ومعظم حالات التعذيب التي وثقتها بعثة الفيدرالية الدولية تم ارتكابها من قبل الأجهزة الأمنية الثلاثة المعروفة: الجهاز المركزي للأمن السياسي، جهاز الأمن القومي وإدارة مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية.
التعذيب: ممارسة واسعة الانتشار داخل مباني الاعتقال الأمنية:
إن ممارسة التعذيب شائع داخل السجون اليمنية و في وجه الخصوص في سجون أمن الدولة و التعقيدات المتطورة لأساليب التعذيب سبب قائم للقلق، كتجاهل ادعاءات التعذيب المقدمة للقاضي من قبل المعتقلين أثناء المحاكمات.
وأصبحت مؤسسات الدولة مرتبطة بالانتهاكات البعيدة المدى لحقوق الإنسان: تعذيب و سوء معاملة، اختطاف وإخفاء قسري، اعتقالات تعسفية واختطافات وكل ذلك على خلفية الحصانة. وأكثر الجهات الأمنية سوءً للسمعة هو الجهاز المركزي للأمن السياسي، الذي تم إنشاؤه بناء على قرار جمهوري رقم 121 للعام 1992م لتحديد و محاربة الجرائم السياسية وأعمال التخريب. و يعتبر هذا الجهاز الجاني الاساسي للانتهاكات الموثقة خلال زيارة بعثة الفيدرالية الدولية. كما يستهدف الجهاز أيضا الصحفيين والناشطين السياسيين ومدافعي حقوق الإنسان ورجال الدين. ووفقا لقوانين التأسيس، على مدير الأمن السياسي أن يحتل منصب وزير، تحت الرقابة المباشرة لرئيس الجمهورية.
و يحمل جهاز الأمن القومي أيضا العار في الانتهاكات و الحصانة. و بموجب القرار الجمهوري لانشائة رقم (261) للعام 2002م، يتبع هذا الجهاز و مسئول من قبل رئيس الجمهورية و بالإشارة إلى قانون تأسيسه، يهدف الأمن القومي إلى ضمان أمن الدولة، حماية أمنها الوطني من التهديدات الخارجية و حماية دور الجمهورية و مصالحها. كما أن صلاحياته تشمل أيضا محاربة أعمال التخريب و العدوانية التي تهدد أمن و سلامة الجمهورية و بينما هو في الظاهر مفوض لمعالجة التهديدات الخارجية لأمن الدولة، ففي الواقع أنه في السنوات الماضية، ضمن الملاحظ، أن صلاحية و أنشطة هذا الجهاز مماثلة أو تكاد تطغى بشكل مباشر على تلك المعني بها الأمن السياسي الذي تمتد صلاحياته لتشمل السياسات والأمن الداخلي.
وتعتبر ادارة مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية الجهاز الثالث الذي يتعلق بقضايا الأمن والمعروف أيضا بانتهاكات حقوق الإنسان.
تم الإبلاغ عن أشكال مختلفة للتعذيب الى الفيدرالية الدولية وأعضاءها وشريكاتها في اليمن: تعليق المعتقلين من الأيادي ورفعهم بينما تكون أيديهم مقيدة إلى الأعلى، ضرب أيديهم وأرجلهم بعصا حديدية بعد تعليقهم من الأعلى، واجبارهم على الوقوف لفترات طويلة حاملين أوزان ثقيلة، تقييد أرجلهم بسلاسل ثقيلة، تعريض أجزاء مختلفة من الجسم للكهرباء، تعرية السجناء وضرب رؤؤسهم والأجزاء الأخرى من الجسم عرض الحائط. و على الرغم من المخاوف والمخاطر على أمنهم وعائلاتهم، يوافق العديد من الضحايا على التحدث عن العنف الذي لاقوه أثناء اعتقالهم.
محمد عبد الرحمن عبد الله، مواطن عاطل عن العمل يبلغ من العمر 21 عاما. القي القبض عليه في 15 يوليو 2008م من قبل الأمن السياسي وتعرض لضروب عدة من التعذيب: ضرب جسمه وخصيتيه, واللكم والركل بالأقدام والصفع بالوجه مما أدى الى كسر أسنانه. كما أنه تعرض للضرب في أخمص قدميه بسلك كهربائي بينما هو معلق من ذراعية وهي مقيدة خلف ظهره. كما أنه تعرض لتهديدات بالاغتصاب لأكثر من مرة ولتأكيد جدية هذه التهديدات كانوا يقومون بتعريته الى حد ما ويسألونه عن طريقة الاغتصاب التي يرغب بها. وفي أحيان أخرى, يتم توجيه السلاح على رأسه في الوقت الذي يتلقى فيه التهديد بقصف دماغه إذا لم يتعاون مع ضباط الأمن السياسي. وفي الواقع يسحب زناد المسدس فقط لكشف أنه خالي من الذخيرة. ويسرد عبد الله بأن قصص تعذيبه تعاوده مرة أخرى في منتصف الليل وعند غروب الشمس. لا يمكن التعرف على مرتكبي التعذيب ففي الغالب يكون مرتكبي التعذيب مقنعين أو أن يكون الضحايا معصوبي العينين أيضاً.
وفي حلقة نقاشية مفتوحة أقيمت في صنعاء في 23/ إبريل/2007م روى شايف علي الحيمي قصص أعتقاله وتعذيبه الذي بدء في 24/يناير/2007م عندما القي ضباط الأمن القومي القبض عليه بتهمة سرقة هاتف نقال لأحد رجال الأمن. ويستعيد الحيمي أحداث شهر كامل من التعذيب. وعلى الرغم من التهديدات التي تصله من معذبيه بأنهم سيعتقلونه ويعذبون أفراد أسرته إن تحدث, الا انه قال في الحلقة النقاشية بأن أثار التعذيب لا تزال موجودة على بدنه. "كنت مجبر على خلع ملابسي, صعقت بالكهرباء ورش الماء الساخن على بدني وضربي بعصاً حديدية وإجباري على شرب البول وحشو قطعة من الصابون في فمي لأيام ومن ثم أخذها وربطها بشريط على شفتي. وأحياناً يضع المستجوبون حذاء في فمي ويضربون على أذني بأحذية عسكرية ثقيلة الى أن أصبحت أصم في الأذن اليسرى, وتركوني من دون ماء وطعام أو شراب لمدة ثلاثة أيام."
وتعرض المهندس ياسر عبدالوهاب الوزير للضرب خلال فترة اعتقاله الكاملة في يونيو 2008م. كان الضرب منصب نحو قدمه اليمين التي سبق أجراء عمليتين جراحيتين لها قبل إلقاء القبض عليه. وادعى السجناء السابقين الذين سبق لهم رؤية الوزير قبل الإفراج عنه بأنه كان بالكاد يستطيع المشي على قدمه اليمين.
أعتقل ناصر صالح محمد غوبان البالغ من العمر 27عام من قبل أدارة مكافحة الإرهاب بتهمة تورطه مع جماعة الحوثيين. كان محتجز في زنزانة لا يكبر حجمها عن 2X1 متر ولم يكن وحدة بل كان هناك أثنين آخرين قبل مجيئه. كانت يديه مقيدتين خلف ظهره ويرفع أوزان ثقيلة على رأسه ورجلية منفصلتين الى أن تشنجت قدماه وأنهار ويضرب رأسه من الأمام والخلف على الحائط بالتبادل الى أن يفقد وعيه. كانت قدماه تعلق وتربط لعصى لضرب أخمص قدميه بسلك كهربائي الى أن تورمت قدماه واسودت, وأستمر التورم لثلاثة أشهر من بعد الإفراج عنه. واستغلت معاناة غوبان لترعيب وإخافة غيرة. فقد تعرض للضرب والإذلال والسحب من والى غرفة الاستجوابات على مرئ ومسمع من السجناء الآخرين.
إثارة العداوة الطائفية بين المعتقلين هو شكل أخر من أشكال سوء المعاملة يمارسه أفراد الدولة اليمنية. تكمن الإستراتيجية في حجز المعتقلين من مذاهب مختلفة أو منافسة في زنزانة واحدة وإثارة العنف بينهم, حتى أنه يتم تسليح بعض السجناء من الهاشميين الزيديين ضد المتهم بانتمائهم للقاعدة. وكنوع من العقوبة "لعدم تعاونه" أعتقل ناصر صالح محمد غوبان- زيدي المذهب- مع عدد كبير من المعتقلين المتهمين بانتمائهم للقاعدة حيث يستغل ضباط السجن الاختلاف المذهبي لخلق حساسيات ضد غوبان.
أخذ الأقارب كرهائن: وسيلة أضافية لترعيب وإكراه المتهم:
أن ما يميز السلطات الأمنية في اليمن عن سائر البلدان الأخرى في العالم هو مزاولة اعتقال والاحتفاظ بأقارب الأشخاص "المطلوبين" كرهائن لديهم الى أن يسلم المشتبه به نفسه. تدين العديد من الصكوك الدولية ممارسة هذا الفعل ويتضح أمر أدانته في الاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن والتي تنص على أنه "على الدول الأطراف معاقبة الأفراد الذين يرتكبون جريمة أخذ الرهائن المعرفة في هذه الاتفاقية".
وأضافة الى ذلك, تعتبر اعتقالات كهذه تعسفية وتمثل شكل من أشكال العقوبة الجماعية المحرمة بموجب القانون الدولي "معاقبة الجماعة لجريمة الفرد" وهذا يخالف مبدأ الإجراء القانوني الواجب حيث يتلقى كل فرد معاملة منفصلة بحسب ظروفهم الفردية وبمدى علاقتهم بالجريمة محل النقاش. وتقوم أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بحق الحصول على محاكمة عادلة على مبدأ أن المسئولية الجنائية فردية وليست جماعية مطلقاً.
ويواصل أفراد الأمن في اعتقال أقارب المشتبه بهم كرهائن الى أن يظهر المتهم المطلوب: لم يسلم الأطفال ولا كبار السن من هذه الممارسة. وفي بعض القضايا يكون الرهينة رجل دين معروف أو تاجر "ضمن" الافراج عن المتهم شريطة أن يعود ولكنه لم يستطع تأمين عودته. وتفرج الأجهزة الأمنية عن المشتبه بهم في القضايا التي لا يتوافر فيها الأدلة الكافية لإدانتهم ولكن حتى وان تم تبرئة المتهم فأنه يتم الإفراج عنه شريطة العودة عند استدعائه. وفي القضايا التي يتأخر فيها ضامن "المتهم المفرج عنه" أو يعجز عن ضمان عودته, يلقى القبض على الضامن كرهينة للضغط على المشتبه الأصل بتسليم نفسه. أن هذا الفعل منع العديد من اليمنيين السؤال عن أصدقائهم المفقودين والأقارب في العديد من السجون خوفاً من انتقام ضباط الأمن منهم.
وفي الصباح الباكر من 19 يوليو 2007م، ألقي القبض على ثلاثة أخوة أمير، معز و محمد أبناء عبد الله ثابت محسن الباب. لم يكن هناك أي أوامر بالقبض عليهم، و لم يتم إبلاغهم عن التهم الموجهة ضدهم. و في الواقع كانت السلطات الأمنية تبحث عن أخيهم الأكبر عادل ثابت محسن الباب، أستاذ في اللغة العربية و مطلوب على ذمة انتمائة للقاعدة. و القي القبض على الأخوة الثلاثة بكل بساطة لأنهم لم يعثروا على عادل في المنزل عندما وصلوا اليه. و والدهم الكبير في السن القي القبض عليه و أفرج عنه بعد يوميين.و لكن إخوة عادل الصغار لا يزالون رهائن بانتظار القبض عليه، حتى كتابة هذا التقرير.
لم يعر أفراد الأمن أي أهمية لأعمار الرهائن أو أي اعتبارات أخرى. فأحيانا قد يكونون قُصَر أو شيوخ. ففي 23 فبراير 2009م، كان أحمد محسن يحيى المحفلي- طفل في الخامسة عشر من عمره- نائم مع 11 من أفراد أسرته عندما عج منزلهم بأفراد من الأمن التابعين لإدارة مكافحة الإرهاب. نُزع أحمد من بين أحضان والده و تم إطلاق النار في الهواء قبل أخذ أحمد عوضاً عن أخيه البالغ من العمر 18 سنة و الذي هرب من المنزل قبل وصولهم اليه. تم سحب أحمد بعيدا من بين صراخ و بكاء أفراد أسرته من دون إخبارهم بأنه ذاهب الى إدارة مكافحة الإرهاب. و تم معرفة مكان اعتقاله بعد مرور شهر و نصف من الحادثة عندما تمكن من الاتصال بهم و إبلاغهم عن مكان تواجده. و سُمح لعائلته بزيارته بعد تلك المدة من دون الأخذ بعين الاعتبار انقطاعه عن الدراسة أو حقيقة أنه لا يزال قاصراً ليزج به في سجون مع الكبار. تم إبلاغ عائلته بأن أحمد سيظل في السجن إلى أن يأخذ أخوه عمر مكانه.
و في حلقة نقاشية نظمتها منظمات حقوق الإنسان في صنعاء في 23أبريل 2007م، ناشدت أمل الحوثي الإفراج عن أخيها البالغ من العمر 13 عاما أمين عبد القادر الحوثي الذي تم اختطافه من أمام منزله بصنعاء. و كما أبلغت جماعة محلية لحقوق الإنسان أنه تم اختطاف العديد من أفراد عائلة الحوثي و تم اعتقالهم و الاحتفاظ بهم كرهائن من قبل قوات الأمن.
الحجز الانفرادي:
وبعيداً عن أتخاذ "جميع الإجراءات المناسبة للقضاء على الحجز الانفرادي الراهن" والتي أوصى بها خبراء لجنة مناهضة التعذيب عام 2004م, فمن الواضح أن اليمن تغض الطرف عن هذا الإجراء التأديبي المتكرر.
وحيث وان القاعدة لهذه الممارسة مسنودة الى القانون الا أن هذا الإجراء التأديبي لا يزال متداول بشكل واسع ويمكن فرضه على هوى مدراء السجون كأحد الإجراءات التأديبية النافذة ضد من يخالف قواعد السجن. وتستلزم هذه العقوبة حرمان السجناء من الرياضة وغيرها من الأنشطة الجماعية كالتراسل أو شراء الاغراض.
وعلى الرغم من أنه لا ينبغي أن تطول فترة الإجراءات التأديبية لأكثر من أسبوعين الا انه من النادر تطبيق ذلك. فقد أصبح من المعتاد بقاء المعتقلين في السجون الانفرادية لشهور أو لسنين وذلك من أجل الضغط عليهم للتعاون مع الأجهزة الأمنية فعلى سبيل المثال: في 29/ يوليو/ 2007م القي القبض على جميع أولاد عبدالله ثابت محسن الباب الثلاثة وهم: أمير-31عام ومعز 24عام ومحمد 25عاماً من قبل أفراد الأمن السياسي في صنعاء واعتقلوا في السجون الانفرادية لمدة شهرين, عوضاً عن الفترة المسموح بها قانوناً والمعلومة بأسبوعين. وأمضى عبد الحميد أحمد في السجن الانفرادي لثمانية أشهر خلال فترة اعتقاله والتي استمرت لسنتين. وكانت مساحة زنزانته الانفرادية في سجن الأمن السياسي تقدر بمتر مربع. والقي الأمن القومي القبض على المواطن المصري جمال همام وأحتجز في سجن انفرادي منذ تاريخ اعتقاله عام 2004م الى أن تم ترحيله الى مصر في مارس 2007م.
أرسل أربعة مواطنون كميرونيين وهم: موافولاود, بنقوبيرب, ميكوب بودلير وأوفوزاشاري رسالة الى اللجنة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات التابعة للبرلمان اليمني في 31/ أغسطس/2004م موضحين فيها أمر اختطاف الأمن السياسي لهم من فندق بلازا صنعاء في شهر مارس 1995م واستمرار اعتقالهم في السجون الانفرادية تحت الأرض لعدة سنوات من دون تقديمهم للمحاكمة. وبعد مضي عشرة أعوام على اعتقالهم في عام 2005م أعترف وزير الداخلية رشاد العليمي بأمر تواجدهم في السجن بعد أن سأله عضو في البرلمان بان يثبت صحة وجودهم أو ينكر. فقد صرح العليمي بأنه سيتم أحالتهم الى المحكمة قريباً على ذمة تشكيل عصابة تستهدف الاقتصاد الوطني وذلك عن طريق ارتكاب بعض الأفعال منها "المخدرات وغسيل الأموال وتزوير العملات النقدية", واليوم وبعد مضي عشر سنوات من الحجز الانفرادي والتعسفي لم يقدم أي منهم للنيابة العامة.
الاختفاء القسري والقاء القبض والاعتقالات التعسفية:-
تنص المادة ( 48 د) من الدستور اليمني على أنه " عند إلقاء القبض على أي شخص لأي سبب يجب أن يخطر فوراً من يختاره المقبوض عليه كما يجب ذلك عند صدور كل أمر قضائي باستمرار الحجز، فإذا تعذر على المقبوض عليه الاختيار وجب إبلاغ أقاربه أو مـن يهمـه الأمـر ." .
إلا أن الاعتقالات و إلقاء القبض التعسفي و الإخفاء ألقسري في مراكز اعتقال الأمن السياسي لشهور و حتى لسنين قبل عرضهم للمحاكمة شائعة الانتشار وبانتهاك فاضح للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والدستور اليمني .
إن قضايا اعتقال الأشخاص لفترات طويلة من دون توجيه تهمة أو محاكمة كثيرة للغاية . كما أن الفريق العامل التابع للأمم المتحدة للاعتقالات التعسفية (WGAD) قد أصدر العديد من الآراء حول الاعتقالات التعسفية في اليمن في إطار الإجراءات المتخذة لمكافحة الإرهاب خلال السنوات الماضية.
وجرت بعض التطورات على هيئة الأمن القومي و قسم مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية على نهاية عام 2002م. فقد اشتركت الأخيرة مع الأمن السياسي لتنفيذ موجات من الاحتجازات غير الدستورية معتقلة مئات المتهمين وأقاربهم لفترات طويلة من الزمن. قد تستمر قضايا الاختفاء ألقسري لشهور أو لسنين عدة وفقا للمعلومات المستلمة، و من حين لآخر كان يتم إعدام المتهمين بغير أحكام قضائية.
غادر ياسر عبد الوهاب الوزير منزله في 5 يونيو 200م و لم يعد بعد من ذلك الوقت.و منذ ما يزيد عن العام و هو حبيس في سجن الأمن السياسي. بعد مضي ثلاثة أشهر و نصف من البحث عنه علمت عائلته عن أمر اعتقاله من قبل الأمن السياسي. القي القبض عليه و هو خارج من المسجد من دون أي أمر بالقبض أو حتى السماح له بالمثول أمام المحكمة أو النيابة العامة.
و اختفى العزي صالح أحمد راجح العمر البالغ من العمر 30 عاما عندما القي القبض عليه من دون أمر القبض في 7 مايو 2005م. و قد اكتشفت عائلته أمر اعتقاله من قبل الأمن السياسي بعد مرور شهرين بتهم مجهولة.
و تم تسجيل العديد من حالات الاعتقال أثناء الأحداث المعروفة باسم " أحداث بني حشيش" في مايو 2008م عندما قامت جماعة الحوثي بمحاصرة جبل رجم في مديرية بني حشيش (40 كيلومتر شمال شرق العاصمة صنعاء) و أودت المناوشات بين القوات المسلحة و أتباع الحوثي بحياة العديد من الضحايا من كلا الطرفين. و أثار الصراع موجة من الاعتقالات من قبل الحكومة في جهود للسيطرة على الوضع. و لم تكن هذه الحملة مقتصرة على أولئك المشاركين في العنف بل اتسعت لتأخذ بطياتها أياً كان متواجدا في المنطقة آنذاك إضافة إلى أفراد عائلات المتهمين.
القي القبض على يحيى علي عبد الله لقمان و ابن أخيه إبراهيم محمد علي لقمان بينما كانوا في منطقة بني حشيش في مايو 2008م و لم يسمع عنهم شيء بعد مرور ثلاثة أشهر من أحداث بني حشيش.
و في قضية أخرى, القي القبض على عبد الرحمن يحيى الحجي أثناء تواجده في بني حشيش وعثرت عليه عائلته بعد مرور ثلاثة أشهر من البحث. وعندما عثروا عليه كان جسمه منتفخا و لم يتمكن من الحديث و كانت الشظايا لا تزال في رأسه، ولم تتلقى جراحه أي اهتمام طبي.
يتم صرف العائلات الذين يبحثون عن أحبتهم من قبل ضباط الأمن الذين ينكرون تواجدهم في المعتقلات. و في هذه الأثناء يتعرض الأشخاص المختفين لتعذيب نفسي و جسدي و سوء المعاملة. و يتم الاستجواب و التحقيق في أوساط العزلة المستمرة و الحجز الانفرادي، كما يتم استخراج إفادات المتهمين في هذا الإطار من الاختفاء ألقسري و العزل التام عن المجتمع أو حتى النزلاء الآخرين. و في حال مثول المتهمين أمام المحكمة، يتجاهل القاضي عادةً التحقيق في شرعية اعتقالهم السابق.
أدانت جماعات حقوق الإنسان الدولية واليمنية الاجراءات غير القانونية التي يتخذها ضباط الأمن للإمساك بالمشتبه بهم ولذكر حالة واحدة فقط كمثال: محمد أحمد المفتاح، رجل في منتصف الأربعينيات كان يقود سيارته مع أطفاله عندما ظهرت ثلاث سيارات قاطعة عليه الطريق فجأة و مجبرة إياه على الانحراف إلى جانب الطريق. خرج من السيارة رجال مرتدين ثياب مدنية و يطلقون النار على السيارة و دمروها تماما. تعرض الأطفال و والدهم للإصابة حيث صدم من هول الفاجعة و عدم التصديق و لا يزال غير مطمئن على صحة أطفاله، ألقي القبض عليه من دون أي أمر قانوني و تم أخذه إلى سجن الأمن السياسي. لم يقوم أي من ممثلي النيابة العامة بزيارته أثناء اعتقاله و لكن التقى بهم بعد الإفراج عنه في سبتمبر 2007م. هذا ليس بغريب، حيث لا يتلقى المعتقلين في سجون أجهزة الأمن أي زيارة من أي جهة قضائية قبل أن يتم الإفراج عنهم.
المهندس والناشط الحقوقي ياسر عبد الوهاب الوزير غادر منزله لصلاة العصر في 5 يونيو 2008م. وعندما لم يعد ذلك المساء, حاولت زوجته عُلاء الشامي الاتصال به على هاتفه النقال عدة مرات . وبرفقة بعض من أفراد العائلة وصلت زوجته الى مراكز الشرطة للسؤال عن زوجها ولكنها لم تنجح في العثور عليه أو الأسباب المحتملة لاعتقاله. تم أبلاغ العائلة عن مكان تواجد ياسر في السجن الأمن السياسي بعد مضي ثلاثة أشهر ونصف من البحث. تلقوا اتصال من الأمن السياسي يبلغهم عن أمر اعتقاله. وفي وقت كتابة هذا التقرير لا يزال ياسر رهن الاعتقال في سجن الأمن السياسي من دون أي مبرر قانوني.
وفي 29 ديسمبر/2007م, تم أبلاغ منظمة يمنية لحقوق الإنسان عن اختفاء ديلمي علي ديلمي البالغ من العمر 30 عاماً من قبل أفراد عائلته منذ عودته من سوريا في نهاية 2006م. وأفادت العائلة بأنهم سمعوا أمر عودته ومن المحتمل أنه تم اعتقاله من قبل الأمن السياسي ولكنهم لم يتمكنوا من رؤيته أو التواصل معه.
وفي 22/فبراير/2009م, قام أفراد من الأمن السياسي باختطاف شاب يدعى حسين ناصر علي المرولة من شوارع العاصمة صنعاء. تم إخفائه عن عائلته وحرمانه من أي شكل من أشكال التواصل ولم تعلم أبنته عن مكان اعتقاله الا في أوائل شهر يوليو لعام 2009م.
وفي يناير 2005م, اعتقلت أدارة مكافحة الإرهاب عبدالله عبد المعز طه الهتار البالغ من العمر 23 بتهمة تورطه مع القاعدة. وفي نهاية أغسطس 2009م لم يتم أحالته الى المحكمة أو النيابة العامة أو حتى أبلاغة بالتهم الموجهة ضده.
كما أن أمر اعتقال طه حسن علي السهيلي البالغ من العمر 25 عاماً في نوفمبر 2004م لم يكن بناء على أمر أو قرار قضائي. تم اعتقاله في عدد من السجون منها: سجن كهمر في محافظة صعده وسجون الأمن السياسي والسجن المركزي في تعز والسجن المركزي في صنعاء. أعتقل طه السهيلي لخمس سنوات الى يومنا هذا ولم يتم عرضه بعد أمام أي جهة قضائية.
ووفقاً للفئة الثالثة من الاعتقالات التعسفية كما هو معرف من قبل الفريق العامل الخاص بالاعتقالات التعسفية (WGAD) إن عدم الامتثال الكلي أو الجزئي للمبادئ الدولية المتعلقة بحق المحاكمة العادلة يجعل من الاعتقال أمراً تعسفي". وتشمل ضمانات المحاكمة العادلة أموراً كثيرة من بينها حقوق "قبل المحاكمة" وحق الوصول الى المحكمة والمحاكمة خلال فترة معقولة. (أنظرالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) في حين فشلت السلطات اليمنية وبقدر كبير في حماية هذه الضمانات بالشكل الذي يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي. ويؤيد الدستور اليمني بأن "على الدولة أن تكفل لمواطنيها حرياتهم الشخصية وكرامتهم وأمنهم". وينبغي على القانون أن ينص على الحالات التي تجرد المواطن من حريته. ولا يجوز حرمان أي شخص من حريته الا بحكم قضائي صادر عن محكمة مختصة. (أنظر بالأسفل).
وعلاوة على ذلك, يخاف أقارب المعتقلين في الغالب من الاقتراب من مراكز الاعتقال والسؤال عن أسباب الاعتقال نظراً للاحتمال القوي لمعاناتهم من انتقام ضباط الأمن منهم والمعروفين بأعمال الانتقام واعتقال الأقارب الذين لا يكلون عن البحث عن أحبتهم. وفي 21/يوليو/2007م, كان محمد أحمد علي الحمادي يكرر السؤال عن أخيه المعتقل لدى الأمن السياسي في العاصمة.
اعتقالات جماعية واسعة ولفترات طويلة من دون توجيه تهم أ/و محاكمة
ووفقاً للدستور اليمني لا يحق لإفراد الأمن اعتقال الأشخاص المشتبه بهم لما يزيد عن الـ 24 ساعة قبل أحالتهم الى النيابة العامة والتي يحق لها تجديد فترة الحجز لسبعة أيام أضافية . ويمكن تأجيل أمر المثول أمام القاضي لـ 45 يوماً ويكون للمحكمة تمديد فترة الاعتقال لمدة لا تتجاوز الستة شهور. وينص الدستور على وجوب مثول أولئك المشتبه بارتكابهم الجرائم أمام المحكمة خلال 24 ساعة من تاريخ اعتقالهم حيث ينبغي على القاضي أو النائب العام أبلاغه/ ها عن أسباب القبض عليهم والتحقيق معهم وإتاحة الفرصة لهم لسماع أقوالهم. وينبغي فوراً أصدار قرار إما باستمرار الاعتقال أو الإفراج عن المحتجز. ولا يحق للنائب العام تحت أي من الظروف استمرار اعتقال الأشخاص لفترة تزيد عن السبعة أيام من دون الحصول على أمر قضائي بذلك . وينص القانون على أن اقصى فترة للحجز الاحتياطي والموجزة إجراءاته وظروفه في قانون الجرائم والعقوبات لا تزيد عن الستة أشهر.
قل ما يتم التقيد بهذه الأحكام. يتم احتجاز الأشخاص لعدة شهور وسنين من دون عرضهم على القاضي أو النائب العام أو حتى السماح لهم بلقاء محاميهم وأقاربهم. وخلال لقائهم مع الفيدرالية حاول كلاً من علي صالح تيسير وكيل وزارة حقوق الإنسان والسيد أحمد الجندبي رئيس المكتب الفني للنائب العام تبرير عدم التزام أفراد الأمن بالقانون اليمني الدولية. كانت حجتهم هي وجود العديد من العوامل التي تشتت انتباه أجهزة الأمن فمثلاً: يعزى سبب الفترات الطويلة التي يقضيها المتهم في السجن الى العدد الهائل من القضايا التي يتلقونها, ومع ذلك أنكروا بأن هذا "التشتيت" قد يصل الى شهور أو سنين من الاعتقال الغير القانوني.
أن مسؤوليات النائب العام المحددة في القانون تشمل الرقابة على أوضاع السجون والمحاضر بالإضافة الى التواصل المباشر مع المحتجزين وتأمين الإفراج الفوري عن أولئك الذين تم القبض عليهم بالطرق الغير قانونية . فبالفعل يوجد هناك مكاتب للنائب العام في السجون المركزية بالمحافظات لضمان شرعية عمليات الاعتقال . وما يزيد الأمر أكثر خطورة هو النظر الى صمت النائب العام والجهود الساعية لإخفاء الاعتقالات الغير شرعية والطويلة والانتهاكات الواقعة في مراكز الاعتقال. أن عجز النيابة العامة في الإعمال بالقانون وما يتضمنه لمنع ارتكاب الانتهاكات يؤدي الى الاعتقالات غير القانونية التي تمتد الى سنوات. والحقيقة التي تعزز من هذه المخاوف تكمن في أن غالبية الضباط المحتلين للمناصب العليا للنيابة العامة لهم خلفيات عسكرية وأمنية.
وبالتأكيد فشلت اليمن في "اتخاذ الخطوات الفورية لضمان تنفيذ عمليات القبض والاعتقال بمقتضى رقابة قضائية مستقلة وحيادية" كما أوصت بذلك لجنة مناهضة التعذيب في 2004م. وفي عام 2009 أكدت اللجنة على توصية أكثر واقعية في دعوة اليمن الى "نظام وطني لرقابة وتفتيش جميع أماكن الاعتقالات ومتابعة النتائج التي وصلت إليها الرقابة المنتظمة", كما ينبغي أيضاً تدريب الأطباء الشرعيين على اقتفاء أثار التعذيب وعن صحة وجودها أثناء الزيارات" و"لتوضيح ما أذا كانت أجهزة الأمن السياسي والأمن القومي وإدارة مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية تخضع لسيطرة السلطات المدنية وما أذا كان للنائب العام الحق في الوصول الى مراكز الاعتقال تلك والسجون العسكرية ومراكز الاعتقال الخاصة. واختتمت أيضا بأن "على الدولة الطرف أن تمنع رسمياً وجود أي مراكز اعتقالات غير خاضعة لسلطة الدولة.
4. تجاهل ضمانات المحاكمة العادلة وأتساع رقعة الحصانة:
الاستجواب الغير قانوني من قبل ضباط الأمن وتساهل السلطة القضائية:
في الآونه الأخيرة تضاعف عدد الأجهزة الأمنية وامتدت صلاحياتها بشكل لا يمكن إغفاله.
يتمتع جهاز الأمن السياسي وجهاز الأمن القومي الحق القانوني لإجراء عدد كبير من التحقيقات, وكما منحا أيضاً ممارسة الصلاحيات المخولة قانوناً لجهات الضبط القضائي ذلك وفقاً للمادة (7) من وثيقة تأسيس جهاز الأمن السياسي والمادة (5ب) للقرار الجمهوري رقم (262) للعام 2002م والذي يحدد هيكلية ووظائف جهاز الأمن القومي. وما ينذر بالخطر هو أن هذه الأحكام تمنح الأجهزة الأمنية امتيازات تتطابق مع تلك الممنوحة لأجهزة القضاء مما ينشئ محيط من الإفلات من العقاب (الحصانة) وعدم المساءلة.
ولكونهم يحملون صفة مأموري الضبط القضائي, فأن ضباط الأمن السياسي والأمن القومي خاضعين قانوناً لسلطة النائب العام ويستقون صلاحياتهم عن طريقة. ولكن سلطة النائب العام على مأموري الضبط القضائي لينة وغير صارمة أن كان هناك أي سلطة عليهم. ويقوم جهاز الأمن السياسي باعتقال الأفراد لسنوات من دون أي أوامر قبض سواء من القاضي أو النيابة العامة. كما أن مكان الاعتقال قد يظل مجهول لشهور وقد يصل الى السنة في بعض القضايا.
وفي الواقع, يجوز لضباط الشرطة أو الامن بموجب القانون اليمني التحقيق مع المعتقلين في القضايا الغير جسيمة التي تزيد عقوبتها عن الثلاث سنوات سجن ولكنهم غير مخولين للقيام بذلك في الجرائم الجسيمة التي تزيد عقوبتها عن الثلاث سنوات سجن والذي يجري التحقيق فيه مباشرةً من قبل النائب العام. في حين لا ينسب القانون الى عملاء المخابرات أو أفراد الأمن حق التحقيق في القضية أو استجواب المتهم, وبناء على الفرق القانوني القائم بين استجواب المدعى عليه وجمع الاستدلالات يتضمن استجواب المتهم أجراء تحقيق مفصل حول المدعى عليه, فيما لا يتجاوز جمع الاستدلالات تدوين إفادة الشخص الذي القي القبض عليه من دون أي استجواب. ويلقى عاتق استجواب المتهم حضريا ضمن الصلاحيات القضائية لأعضاء النيابة العام كما هو منصوص عليه في المادة (117) من قانون الإجراءات الجزائية "لعضو النيابة العامة أن يندب احد مأموري الضبط القضائي للقيام بعمل أو اكثر من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم مع مراعاة ما جاء في المادة السابقة ويكون للمندوب في حدود ندبه كل السلطات التي لعضو النيابة العامة ".
وفي واقع الأمر, "محاضر جمع الاستدلالات" ما هي الا عبارة عن معلومات تم جمعها عن طريق الاستجواب الغير قانوني للمدعى عليهم وبذلك يكون مخالف للصلاحية القانونية لمأموري الضبط القضائي ويعتبر خرقاً لقانون الإجراءات الجزائية. وتصل هذه المحاضر الغير قانونية في الحقيقة الى النيابة المختصة "نيابة أمن الدولة" والتي لا تكلف نفسها عناء التأكد شرعيتها بل على العكس يتم المصادقة على محتواها ويسمح باستخدامها ضد المجني عليه. وبمزيد من الإجحاف في حقوق المدعى عليهم, فانه في الغالب لا يتم تحويلهم الى مراكز السجن الاحتياطي والذي يخضع لرقابة النيابة العامة بل يبقى رهن اعتقال القضبان الحديدية لجهاز الأمن ذاته. وبذلك يضمن بقاءه تحت تهديد تعرضه للتعذيب مراراً وتكراراً وحبسه لفترات طويلة أذا ما حاولوا تغيير أو تعديل أقوالهم.
والانتهاك الأكبر للدستور الوطني هو أن الاستجواب يتم اجراءه من قبل أجهزة المخابرات والأمن أو حتى ممكن من قبل أي شرطي وفي عدم وجود محام.
قبول اعترافات تم انتزاعها تحت وطأة التعذيب:
على الرغم من وجود الضمانات الدستورية في المادة (48, الفقرة ب) والمواد الواردة في قانون الإجراءات الجزائية والتي تنظم الإجراءات العامة للقبض (من المادة 70 الى المادة 83) والتي تحرم التعرض لأي أذى جسدي أو نفسي من أجل انتزاع اعتراف أو لأي سبب آخر. و لم يتم أجراء أي تحقيق لدعم أولئك الذين يدعون أثناء محاكماتهم بتعرضهم للتعذيب خلال فترة اعتقالهم.
لا تأخذ المحاكم اليمنية إدعاءات التعذيب على محمل الجد, ولا تقوم بأجراء أي تحقيق أو عرض ضحايا التعذيب على أطباء شرعيين لإثبات صحة إدعاءاتهم. وبالنظر الى حيثيات قرارات المحكمة في القضايا التي يدعي فيها المدعى علية بتعرضه للتعذيب يتبين أن قضايا التعذيب لا تحظى بأي اهتمام من قبل القضاة, فعلى سبيل المثال: القي القبض على المدعى عليه طه علي محمد الحداء ,البالغ من العمر 20 عام , في محافظة مأرب وتم حرمانه من النوم لثلاثة أيام متتالية حيث تلقى خلالها تهديد بنزع أظافره. ومن ثم تم نقله الى الأمن السياسي بصنعاء حيث احتجز هناك لخمسة أشهر من دون أجراء أي تحقيق يذكر: كان هو الأصغر في المجموعة المحتجزة في السجن والأكثرهم عرضة للتعذيب.
وفي محضر محاكمة لبندر محمد محسن الاكوع البالغ من العمر 20 عام والذي عرض أقواله كالتالي : "أجاب بأنه وقع وأعترف بأنها بصمته على أوراق لا يعرف محتواها تحت وضع التهديد الجسدي والعقلي, وسمح للنيابة بقراءة أفادته من أوراق تحقيق النائب....وبعد ذلك سألته المحكمة ما أذا كان هو من وقع على أقواله أمام النيابة, وقال بأنه تم استجوابه من قبل النيابة داخل المقر الرئيسي للأمن السياسي ومن ثم تم نقله وهو معصوب العينين من قبل الضباط ذاتهم الذين ينتمون الى الأمن القومي حيث تعرف على أصواتهم".
وعلى الرغم من احتواء محاضر وأحكام المحاكم الاستثنائية على دعاوي التعذيب المرفوعة من قبل المدعى عليهم الا انه لا توجد أي أشارة الى ما إذا كان للقاضي أي ردة فعل أو أصدار أي أمر بالتحقيق في الواقعة لأثبات صحة الدعاوي أو أكتفاءه بالاستماع الى القصص. وأنه لأمر مثير للجدل أن يتجاهل القضاة أمكانية تعرض المدعى عليهم للتعذيب فذلك موضع للشك في نزاهة القضاة وإستقالاليتهم من الأجهزة الأمنية والسياسية. ويعزز ذلك الشك بحقيقة أن العديد من مناصب القيادة في الهيئات القضائية شاغرة من قبل أفراد هم على خلفيات أمنية أو عسكرية.
إفلات مرتكبي التعذيب ومسئوليه من العقاب:
من غير الممكن تقديم أي من الضباط العاملون لدى أجهزة الأمن السياسي أو الأمن القومي للمحاكمة سواء أمام المحاكم الاعتيادية أو المدنية أو الجنائية حيث يتمتع العاملون في هذه المشاءات بمكانه مختلفة تماماً عن باقي أجهزة الشرطة فلا يكون لموظفيهم الا أن يمثلوا أمام المحاكم العسكرية والتي تفتقر تماماً الى الشفافية والاستقلالية مما يحرم الأطراف المتضررة من القضاء الفعلي و يخلق بيئة مناسبة لحدوث أي انتهاكات من دون الخوف من النتائج.
وعلى الرغم من تزايد دعاوي التعذيب ضد الأمن السياسي والأمن القومي وقوات مكافحة الإرهاب, الأمر الذي كان واضح من خلال سؤال لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن عدم توفر المعلومات حول ادعاءات التعذيب الموجهة ضد موظفي الدولة. وعلى الرغم من محاولة ممثلون عن وزارة حقوق الإنسان أثبات وجود حالات تم فيها تقديم مرتكبي التعذيب للمحاكمة الا أنها كانت فاشلة سواء في ذكر أسماء أو وقائع أو أشخاص عن تلك الدعاوي أو في عدم تقديم أي أثبات للدعوى بأن محاكمة كهذه قد حدثت. ومن الممكن انه قد سبق وعرض أشخاص للمحاكمة في قضايا التعذيب أو سوء المعاملة ولكنها لم تكن على أشخاص يعملون لدى الجهات الأمنية في قضايا متعلقة بالأمن السياسي أو الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب.
ومن النادر أن يقوم أحد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بتقديم أي شكوى ضد معذبيهم وذلك لخوفهم من الانتقام الذي سيتعرضون له من قبل هذه الجهات الأمنية. والعديد من الأشخاص الذين تم الإفراج عنهم يتعرضون هم وعائلاتهم لتهديد إعادة القبض القبض عليهم أو على أحد أفراد عائلاتهم في حال تحدثو عن المعاناة التي عاشوها في السجن. ومن الجدير بالذكر انه تم بالفعل أرتكاب أعمال انتقامية حيث تعرض ضحايا التعذيب السابقين بتهديد إيقاع العقوبة بهم.
شايف علي الحيمي, القي القبض عليه في 24 يناير, 2007م من قبل جهاز الأمن القومي وتعرض للتعذيب بشكل منتظم ومستمر لمدة شهر. ولشجاعته في التحدث عن التعذيب الذي لاقاه يعتبر الحيمي من الحالات النادرة فقد كان شجاع بما فيه الكفاية ليسرد تفاصيل تعذيبه في حلقة نقاشية مفتوحة نظمتها منظمات حقوق الإنسان على الرغم من تهديدات الانتقام منه ومن أفراد أسرته التي تلقاها من قبل معذبيه قبل الإفراج عنه. وبعد عقد الحلقة النقاشية, القي القبض عليه مرة أخرى ومن ثم أحالته الى المحكمة الجنائية حيث أتهم بترأس عصابة من اللصوص والذين يعتبرون عملاء أمنيين.
أنه لمن الطبيعي أن يشعر غالبية ضحايا الجرائم المرتكبة من قبل الأجهزة الأمنية والتي التقت بهم الفيدرالية الدولية بالخوف حيث طلبوا من الفيدرالية عدم نشر أسماءهم لحماية أنفسهم وحماية عائلاتهم من أي ردود أفعال انتقامية كالتي وقعت على الحيمي.
فيما يتمثل العائق الآخر الذي يجعل من تقديم مرتكبي التعذيب من ضباط الأمن الى العدالة أمراً مستحيلاً هو أستحالة التعرف عليهم: ففي الغالب يكون الضحايا معصوبي العينين أثناء تعرضهم للتعذيب أو أن يكون مرتكبي التعذيب أيضاً مرتدين ألأقنعة. أن غياب هيئة مختصة في اليمن تتلقى شكاوي ضد أفراد الأمن وضباط الشرطة يشكل تحد بالغ الخطورة أمام تحقيق العدالة.
تقييد الوصول إلى مراكز الاعتقال التابعة للأجهزة الأمنية
لا تقوم النيابة العامة وهي السلطة المختصة والمكلفة بالرقابة على السجون وشرعية اعتقال الأفراد بدورها بنزاهة و استقلالية حيث يقبع العديد من السجناء في السجون لشهور أو لسنوات من دون تقديمهم إلى النيابة العامة أو أي جهة قضائية أخرى.
وعلى الرغم من أن العديد من الذين تم اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية يدعون بأنهم تعرضوا للتعذيب والمعاملة المهينة من قبل قوات الأمن إلا أنه في الواقع لم تقام أي دعوة قضائية أو برلمانية للتحقيق في هذا الشأن, كما لم يسمح لأي من منظمات حقوق الإنسان دخول مراكز الاعتقال حيث يقبع المشتبه بهم في سياق الحرب على الإرهاب. ويقوم ضابط الأمن بتحذير من يتم الإفراج عنهم من الاقتراب أو التواصل مع أي ناشط حقوقي أو منظمة حقوقية.
وفي ردها على لجنة مناهضة التعذيب بتاريخ 26 سبتمبر 2005. أكدت الحكومة اليمنية بأنه سبق للجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين والتحدث معهم. ولم يسمح لأي من منظمات حقوق الإنسان سواءً المحلية أو الدولية دخول السجون التابعة للأمن القومي أو الأمن السياسي أو أدارة مكافحة الإرهاب . ومن الواضح أن زيارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للسجون كانت في 2004 أي قبل استعراض لجنة مناهضة التعذيب وتوصياته اللاحقة.
وإلى يومنا هذا، لم تستجب السلطات اليمنية لأي من طلبات الزيارة التي قدمتها المنظمات المحلية والدولية وحتى أعضاء البرلمان اليمني الذين أعادوا تكرار طلب زيارتهم للسجون والنظر في دعاوى التعذيب لم يتلقوا أي استجابة.
ومن جهة أخرى، أخبرت الحكومة اليمنية لجنة مناهضة التعذيب عن تشكيل لجنة برلمانية مستقلة للرقابة على أوضاع السجناء و التي خلصت إلى تقرير مستقل عن النتائج التي توصلت إليها. ولكن للأسف لم يتسنى للفيدرالية الدولية لقاء هذه اللجنة أو رؤية أعضائها أو النظر في تقريرها المذكور. وفي الواقع، أنكر عضو البرلمان أحمد سيف حاشد ,عضو لجنة الحقوق و الحريات التابعة للبرلمان, ورئيس منظمة التغيير للدفاع عن الحقوق والحريات وجود أي لجنة من هذا القبيل. كما صرح الأستاذ أحمد سيف حاشد بأن طلبات زيارة سجون الأمن السياسي والأمن القومي التي قدمها بكونه عضو لجنة الحقوق والحريات التابعة للبرلمان لم يرد عليها.
وفي ردها على مناهضة التعذيب في عام 2005، أفادت الحكومة اليمنية بأنه يسمح للسجناء رؤية أقاربهم ولكن على العكس أفاد غالبية السجناء المحتجزين بتهمة "الأمن" أو "الإرهاب" بأنهم كانوا ممنوعين من حق الزيارة لمدة شهور. وقد يسمح لبعض أفراد العائلة بزيارة غير منتظمة حيث يفصل بينهم و بين السجين حاجز كبير مصنوعاً في الغالب من القضبان الحديدية مما يجعل الحديث صعبً وغير مسموع.
ورداً على ذلك, طالبت لجنة مناهضة التعذيب بشكل واضح اليمن "بأتخاذ الإجراءات الفعلية على الفور لضمان ممارسة كافة السجناء جميع الضمانات القانونية السياسية منذ بدء اعتقالهم وذلك يشمل على وجه الخصوص حق الوصول الفوري للمحامي وحق الحصول على فحوصات طبية مستقلة وإبلاغ الأقارب وأن يتم تعريفهم بحقوقهم حال اعتقالهم منها معرفتهم بالتهم المسندة ضدهم وأيضاً المثول أمام القاضي خلال وقت معلوم يتوافق مع المعايير الدولية. وطالبت أيضاً بأن يتم أبلاغها بـ "مستلزمات الحصول على ترخيص كتابي للافراد الموقوفين في الحجز الاحتياطي ليتمكنوا من مقابلة أقربائهم ومحاميهم وأيضاً الظروف التي يمكن بموجبها رفض هذه الترخيصات".
الدعاوي القضائية المرفوعة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة: تجاهل كافة الضمانات لمحاكمة العادلة
نشأت المحكمة الجزائية المتخصصة عقب هجوم جيش عدن- أبين الإسلامي على السياح في أبين بموجب قرار جمهوري رقم (391)للعام 1999م. وبناء على المادة (150) من الدستور اليمني لا يعترف العديد من الخبراء القانونيين اليمنيين بدستورية هذه المحكمة والتي تنص على أنه "لا ينبغي أنشاء أي محكمة استثنائية تحت أي من الظروف". وفي عام 2004م أصدر قانون جديد يوسع من صلاحية المحكمة لتشمل الجرائم الغامضة ضد "الأمن الوطني" . وبتعريف مبهم كهذا للجرائم نتج عنه عواقب محاكمة الأفراد لممارستهم الحريات الأساسية وبالخصوص حرية التعبير والتجمع السلمي.
أصبح الصحفيين المستقلين الذين يكتبون عن مواضيع متعلقة بالأمن أو الإرهاب ضحايا وعرضه للترهيب والدعاوي القضائية والتهديدات الجسدية. وأدانت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب كل هذه الانتهاكات في عام 2009م.
وعقب نشر تقرير بعنوان "الباشمركا في صعده" في صحيفة الشارع في 2 يونيو للعام 2006م, وجهت العديد من التهم ضد كلاً من الصحفي نايف حسان ومحمد عايش ونبيل سبيع وفقاً للمادة (103) لقانون الجرائم والعقوبات مع تهمة الكشف عن أسرار عسكرية والإضرار بالجيش العسكري. ولا تزال قضيتهم معلقة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة.
وبالإضافة الى كونها غير دستورية, فإن أداء المحكمة الغير مستقل يتعارض بشكل واسع مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة, فعلى سبيل الذكر: وكما تم شرحه تفصيلاً في السابق, تقوم المحكمة بتشريع ونشر محاضر جمع الاستدلالات والتي ينبغي رفضها لاحتمال الخطأ فيها. كما أنها لا تدين إجراءات القبض والاعتقال الغير قانوني والذي قد تستمر لسنوات. كما أن المحكمة ترفض أن تحيل قضايا التعذيب للتحقيق حتى عندما تكون آثار العنف والتعذيب واضحة على جسد المدعى عليه. وكما حدث في قضية الحيمي الذي تعرض للتعذيب من قبل أفراد الأمن القومي. وتقوم المحكمة بمنع وصول المحامين الى ملفات قضايا موكليهم على الرغم من الضمانات الواضحة لهذا الحق في قانون الإجراءات الجزائية.
5. مخاوف بشأن إقرار قانون "مكافحة الإرهاب":
تنص الملاحظات الختامية للاستعراض الدوري الشامل عن اليمن والتوصيات المؤقتة للجنة مناهضة التعذيب على وجوب اتخاذ إجراءات تضمن تنفيذ حملة مكافحة الإرهاب في إطار من المسؤولية تجاه حقوق الإنسان. وفي عام 2004م, أوصت لجنة مناهضة التعذيب بان لا تحول جهود مكافحة الإرهاب دون التقيد بالالتزامات الدولية.
وبغض النظر عن القرار الرئاسي رقم(391) للعام 1999م بشأن إنشاء المحكمة الجزائية المتخصصة والتي لا يعترف بدستوريتها الكثير من الخبراء القانونيين اليمنيين, لا يوجد هناك أي تشريع وطني يناقش قضايا الإرهاب وإنما مسودة قوانين كمسودة قانون غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ومسودة قانون مكافحة الإرهاب ومشروع تعديل قانون الجرائم والعقوبات التي لا زالت معلقة قيد النظر.
وفي 3/أغسطس/2009م, قدمت الحكومة اليمنية مشروع قانون مكافحة الإرهاب والمكون من 26 مادة الى البرلمان والذي بدورة أحاله الى اللجنة المختصة (اللجنة الدستورية) والتي لا يزال بحوزتها الى هذه اللحظة. وتعود مرجعية القانون الى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب والتي تم اعتمادها من قبل وزراء الداخلية والعدل في القاهرة عام 1998م, وصادقت عليه اليمن في العام ذاته . تعرضت الاتفاقية الى انتقادات من منظمات حقوق الإنسان , ومن المتوقع أن يعكس مشروع القانون المعتقدات المريبة ذاتها الموجودة في الاتفاقية العربية. تجاهلت الاتفاقية العربية بشكل كبير عدد من الحقوق التي كفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. أن تعريف "التعذيب" في هذه الاتفاقية واسع النطاق معطياً الفرصة للتلاعب به ولسوء تفسيره. كما أن الانتهاكات الواقعة على حرية الرأي والتعبير وكذلك الخصوصية الشخصية مثيرة للقلق. و أعربت منظمات حقوق الإنسان عن قلقها من غياب الإجراءات القانونية والقضائية المتعلقة بإلقاء القبض واعتقال الأفراد.
وعلى الرغم من المخاوف والتوصيات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الا أن السلطات لا ترغب بأجراء أي تعديل على القانون أو حتى وضعه محل النقاش علناً.
الاستنتاجات والتوصيات:
يرصد التقرير الحالي أهم انتهاكات السلطات اليمنية لحقوق الإنسان بذريعة مكافحة الأنشطة الإرهابية والجرائم التي تمس الامن الوطني. ويهدف هذا التقرير الى دعوة السلطات اليمنية الى ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان أثناء الحرب ضد الإرهاب وجرائم الأمن الأخرى.
وينبغي على المجتمع الدولي التنبه الى خرق السلطات اليمنية للالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان التي فرضها المجتمع الدولي عليها أثناء الحرب ضد الإرهاب والتعامل مع ألازمات السياسية الداخلية, لذا وجب على المجتمع الدولي تبني موقف واضح إزاء ما تقوم به شريكتها اليمن فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وتوحيد أي دعم للاقتراب من وضع اليمن منها: الاستراتيجيات التنموية والدعم الاقتصادي. ويؤكد مجلس الاتحاد الأوروبي في استنتاجاته عن اليمن التي تم نشرها في أكتوبر 2009م ضرورة التوجه الكامل لمناقشة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية .
وتعتبر اليمن أحدى الدول النامية في العام. وكان لازمة الغذاء لعام 2008م أثر كبير على الطبقة الفقيرة من سكان اليمن كما أحدثت الأزمة المالية العالمية انخفاض في عائدات النفط والحوالات والذي كان له دور في الضغط الغير مستقر على الموارد المالية العامة. هذا بالإضافة الى قدرات الحكومة اليمنية الغير كافية للمشاركة في الإصلاحات الاقتصادية الضرورية ومعالجة الفساد. ونتيجة لهذا كله فإن الأوضاع الأمنية غير مستقرة على نحو مستمر .
وبالنظر الى جذور الأزمة السياسية الداخلية المعقدة كالنزاع الطويل والشائك القائم في المنطقة الشمالية لمحافظة صعده والحوادث الناجمة عن العنف السياسي في الجنوب, لا تستطيع الحكومة اليمنية الالتزام بواجباتها لحماية مواطنيها من التهديدات الإرهابية.
أن تجاهل السلطات اليمنية المتكرر لالتزاماتها الدولية بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني في سياق النزاع المسلح ضد المتمردين الحوثيين أو أثناء محاربتها للإرهاب أو التي تعتبره تعسفياً بجرائم أمنية مثير للاهتمام. فعلى المجتمع الدولي اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان أن مساعداتها المتزايدة لدعم اليمن في الحرب ضد الإرهاب لا يعطي الحكومة اليمنية وجميع الأجهزة الأمنية الحرية للاستمرار في تجاهلها الحالي للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وتطالب الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة هود ومنتدى الشقائق العربي المجتمع الدولي دعم اليمن في جهودها لضمان التوافق بين حقوق الإنسان والحرب ضد الإرهاب ولتحسين وضع الدعم العسكري لاحراز تقدماً ملحوظاً في مجال مكافحة قضية الإفلات من العقاب من جرائم القتل الغير قانونية والتعذيب والاختفاء ألقسري.
وبالأخذ بعين الاعتبار أن من أولويات الاتحاد الأوروبي هو مناهضة التعذيب وفقاً للإرشادات التعذيب والمعاملات أو العقوبات الوحشية واللا إنسانية والمهينة الأخرى, تطالب الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة هود ومنتدى الشقائق العربي الاتحاد الأوروبي مناقشة موضوع انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة تحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب في إطار الحوار الثنائي مع السلطات اليمنية.
وينبغي على الدول الأطراف للجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب مناقشة قضية انتهاكات حقوق الإنسان في أطار الحرب ضد الإرهاب أثناء الخطوة القادمة عند النظر في التقرير الحكومي لليمن والقيام بنشر ملاحظات اللجنة علناً.
تحث الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة هود ومنتدى الشقائق العربي الكومة اليمنية للقيام بـالتالي:
بشأن ما يتعلق بحقوق الإنسان والحرب على الإرهاب:
ضمان الالتزام التام للإجراءات المتخذة لمكافحة الارهاب والتزامات اليمن لحقوق الإنسان كما تم التوصية به أثناء الاستعراض الدوري الشامل. وعلى وجه الخصوص, تعديل مسودة قوانين مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب بطريقة تضمن حماية حقوق الإنسان منها ما يتعلق بالتحريم المطلق لممارسة التعذيب والإجراءات المتعلقة باعتقال المشتبه بهم.
دعوة المقرر الخاص بتعزيز وحماية حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب من أجل الاستفادة من الخدمات الإرشادية والمساعدة الفنية وبالأخص في التعديلات اللازمة لمسودة قانون مكافحة الإرهاب ومسودة قانون غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
التعاون مع المنظمات الغير حكومية القومية والدولية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وتحديداً في هذا المجال.
بشأن التعذيب, الحصانة ودور القانون:
تنفيذ التوصيات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
أجراء تحقيق مباشر في دعاوي التعذيب على نحو شامل ومستقل (منها تلك الادعاءات التي شملها التقرير), وضمان تقديم مرتكبيها الى العدالة.
وقف وبشكل عاجل ممارسة احتجاز أقارب المدعى كونهم مجرمين كرهائن من أجل تسليم أنفسهم الى الشرطة.
حل المحكمة الجنائية المتخصصة ذلك لأنها تخالف نص المادة (105) من الدستور اليمني.
ضمان عدم قبول شرعية الاعترافات التي تم أنتزعها تحت التهديد أمام المحكمة.
بناء آلية لضمان الحماية الفعلية لضحايا الانتهاكات والشهود, وعلى وجه الخصوص ضحايا التعذيب.
تعديل تعريف مصطلح "التعذيب" بحيث يضمن توافقه مع اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
التصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية كافة الأفراد من الاختفاء ألقسري.
دعوة المقرر الخاص للأمم المتحدة الذي سبق له وأن قدم طلبي زيارة الى اليمن في عام 2005م وعام 2007م ولم يتلقى أي رد الى الآن.
بشأن ظروف الاعتقال:
اتخاذ الإجراءات الفعلية للقضاء على ممارسة الحجز الانفرادي كما سبق وأوصت به لجنة مناهضة التعذيب. وعلى وجه الخصوص, ضمان تبليغ أقارب المعتقلين عن أماكن اعتقالهم فور اعتقالهم.
السماح بزيارة الجهات المستقلة لجميع المعتقلين منها المنظمات الغير حكومية المحلية.
ضمان قيام النيابة العامة بدورها الرقابي الفاعل والمستقل على أماكن الاعتقال بجميع أرجاء الدولة.
بشأن ضمان الحصول على محاكمة عادلة
إعتماد تعريف واضح للجريمة التي "تمس الأمن الوطني" من أجل وقف محاكمة الأفراد لمجرد ممارستهم القانونية للحقوق الأساسية.
ضمان حصول المعتقلين على تمثيل قانوني على وجه السرعة منهم المعتقلين في جهاز الأمن السياسي وفقاً للتوصيات التي وافقت عليها اليمن أثناء استعراضها الدوري الشامل والتوصيات السابقة للجنة مناهضة التعذيب.
ضمان إخضاع الأجهزة الأمنية لسلطة النائب العام وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بأقصى فترة ممكنة للاحتجاز قبل المحاكمة [الحجز الاحتياطي] وتأخير التهم.
الإفراج عن جميع المعتقلين التي لم توجه لم تهم لفترات طويلة وغير قانونية, أو ضمان اتهامهم ومحاكمتهم في حينه.
بشأن الأزمة السياسية الداخلية والنزاع المسلح:
التفاوض على وقف أطلاق النار فوراً في صعدة وفتح نافذة للحوار مع جميع الأطراف من أجل أيجاد حل سياسي لهذا النزاع العسكري.
الاحترام المطلق لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني, وعلى وجه الخصوص اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين والسماح للمدنيين الراغبين في الهرب من النزاع بالوصول الى أماكن آمنة وتسهيل الطريق للأمم المتحدة والمنظمات الغير حكومية للوصول الى مناطق تجمع النازحين وسرعة السماح للإسعافات الطبية والاغاثات الإنسانية للوصول الى أولئك النازحين داخلياً.
عقد حوار سياسي متكامل يشارك فيه كافة الأقاليم وجميع عناصر المجتمع اليمني وبالأخص الحراك الجنوبي.
أتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان أن جميع الأفراد منهم أولئك المراقبين لحقوق الإنسان محميين من تعرضهم للترهيب أو العنف كرد على أنشطتهم وممارسة وتطبيق الضمانات الحقوقية لهم.
وتحث الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة هود ومنتدى الشقائق العربي المجتمع الدولي للقيام بالتالي:
بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب:
أعادة دعوة السلطات اليمنية الى المحافظة على التزامات حقوق الإنسان حتى أثناء شن حربها على الإرهاب والتهديدات التي تمس الامن الوطني, وعلى وجه الخصوص حق الدفاع وحق الحصول على محاكمة عادلة وحق عدم الاعتقال وباحترام اليمن للالتزامات الدولية.
بناء آلية رقابية على مثول اليمن للالتزامات والتي ستعمل مخرجاتها على توجية المساندة نحو اليمن في القضايا المتعلقة بالأمن منها مجال مكافحة الإرهاب.
بشأن الأزمة السياسية الداخلية والنزاع المسلح:
الضغط على جميع الأطراف لإيقاف النزاع والمساهمة في الجهود الرامية الى الوساطة
التصميم على وصول الدبلوماسيين والصحفيين والمنظمات الإنسانية والحقوقية الى المناطق المتأثرة من جراء الحرب.
وعلى وجه العموم:
مناقشة الوضع الإنساني المنهار وتقديم المساعدة التنموية والتركيز على بناء دولة وأصلاحات أساسية في هذا المجال وأهم تحديات التنمية.
التعهد بالمساعدة في أعادة ألإعمار لتنمية محافظة صعده والجنوب كحافز للوصول الى حلول متينة لفض النزاع.
الملحق (1): قائمة اللقاءات:
أعضاء البرلمان:
أ. أحمد سيف حاشد
الصحفيين:
أ. نايف حسان - صحيفة الشارع
أ. محمد عياش- صحيفة الشارع
أ. نبيل سبيع- صحيفة الشارع
أ. عبد الكريم الخيواني- صحيفة الشورى
المنظمات الدولية:
أ. يوسف ابو رأس- المدير العام للمعهد الدنمركي لحقوق الإنسان
أ. جين نيكولاس مارتي- رئيس البعثة التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر
الأحزاب السياسية:
أ. عبد الوهاب الانسي الأمين العام لحزب الإصلاح
أ. محمد قحطان عضو حزب الإصلاح
أ. محمد السعدي مساعد الأمين العام لحزب الإصلاح
المنظمات:
أ. عبد الرشيد الفقية - مؤسسة حوار للتنمية والديمقراطية
أ. رضية المتوكل- مؤسسة حوار للتنمية والديمقراطية
أ. عز الدين الاصبحي- المدير العام- مركز حقوق الإنسان للمعلومات والتدريب
أ. ماجد المدحجي - إعلامي- منتدى الشقائق العربي
أ. عماد الجراش- المنظمة اليمنية للدفاع عن حقوق الإنسان
أ.أحمد عرمان- الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات "هــود"
أ.محمد ناجي علاو- الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات "هــود"
الوزارات والجهات الحكومية:
أ. علي صالح تيسير - وكيل وزارة حقوق الإنسان
أ. أحمد محمد الجندبي- رئيس مكتب النائب العام
أ. أمب عبد الله هاجر - رئيس أدارة المنظمات الدولية- وزارة الخارجية
السفارات:
باتريك بوزود- رئيس القنصلية- السفارة الفرنسية في اليمن
ضحايا وأفراد عائلاتهم
الملحق (2):
مشروع قانون مكافحة الإرهاب