شفت أوضاعاً مأساوية يعيشها 4 محتجزين منذ 15 عاماً
نجلاء حسن
رسالة أخرى سربها المعتقلون الكاميرون من خلف أسوار حجز الأمن السياسي بصنعاء، لتكون الثانية خلال فترة احتجازهم المستمرة منذ 1995 وحتى اللحظة، بعد الأولى التي سربت في 2004 وسبب لهم نشرها صحفياً وتناولها تحت قبة البرلمان اليمني الكثير من المشاكل.
ليست هذه القضية، بل أن ما تحمله سطورها كان هذه المرة أكثر وجعاً.
15 عاماً مضت على اعتقالهم غير أن لا أحد يأبه بهم، لا على مستوى الداخل هنا في اليمن والتي يدركون أنه من حقهم عليها أن تقدمهم سلطاتها للمحاكمة العادلة إن كانوا يعتقدون بتورطهم في جريمة ما، ليناولوا عقابهم.
أيضاً لم يهتم بهم على مستوى المجتمع الدولي أحد، يقولون في رسالتهم:"لم نفكر البتة بأن أموراً كهذه ستحدث لنا، وتقضي على حياتنا كل يوم، كما أننا نتساءل عن أسباب تركنا وإهمال المجتمع الدولي لنا بهذه الطريقة".
ويضيفون في رسالة كتبوها بالانجليزية ووصلت إلى منظمة "هود":"نحن نقبع في السجن الآن لما يقارب الـ15 عاماً تحت ظروف رديئة تتنافى مع جميع القوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، نحتاج إلى التمسك بروحانية عظيمة لمنع أنفسنا من الوقوع في الجحيم من هول ما نلاقيه".
مضيفين:"وبافتراض أننا نشكل خطراً جسيماً على الدولة فإن على الجهات المختصة أن تخضعنا لتطبيق القانون وتقدمنا للمحاكمة ولعقوبة جنائية، لأن ما يمارس ضدنا فعل مجرم قانوناً وجريمة ضد الإنسانية".
مبتدأ القصة غير واضح حتى اليوم خاصة الجزئية المتعلقة بسبب اعتقالهم سوى ما قاله وزير الداخلية في 2005 لدى استجوابه في البرلمان اليمني حول ذات القضية من أن اعتقالهم جاء عبر الانتربول بتهمة أعمال تخريبية تستهدف الاقتصاد الوطني.
ورد ذلك في المحضر التقريري لتلك الجلسة – تحتفظ الغد بنسخته مع وثائق- إذ قال وزير الداخلية السابق السابق رشاد العليمي في رده على سؤال النائب صخر الوجيه عن الكاميرونيين:" أنه تم متابعتهم وضبطهم عبر الانتربول بتهمة أعمال تخريبية تستهدف الاقتصاد الوطني وعددهم خمسة".
وأضاف العليمي: "وهم ضمن شبكة تخريبية عالمية تمارس عدداً من الأعمال منها المخدرات وغسيل الأموال وتزوير العملات وقضيتهم منظورة أمام القضاء وتمت متابعة العناصر المرتبطة بهم".
غير أن هؤلاء لم يقدموا سواء كانوا أربعة أو خمسة لم يقدموا للمحاكمة حتى اليوم، ولم يعرضوا على أي جهة قضائية، إنما تم نقلهم من فندق بالعاصمة صنعاء بسيارة خاصة (فالكون 50) من قبل عناصر من الأمن السياسي في مارس 1995، ليودعوا في حجزه حتى اليوم.
في رسالتهم (كتبها أحدهم بالنيابة عنهم) يصف الكاميرونيون وعددهم أربعة بحسب بصماتهم وأسمائهم في آخرها أنهم يقبعون في زنزانة تحت الأرض بصورة منفصلة ويمنعهم الحرس مع الكلام مع بعضهم وأن طول تلك الزنازين لا يزيد عن مترين مربعين.
يقولون:"يقوم حرس الأمن السياسي بمنعنا من التحدث لبعضنا البعض ولا نزال مخفيين عن أعين لجنة التفتيش والصليب الأحمر وحتى المعتقلين الآخرين".
لا تنتهي المأساة هنا فالشمس لا تصل لهناك ولا أنوار المصابيح، وأضافوا بأنهم يتعرضون لشتى أنواع التعذيب، وأكثرها إهانة هي صفعهم على وجوههم بهدف إذلالهم، كما يجري حرمانهم من النوم بإصدار أصوات مرتفعة، أو تجليسهم لمدة طويلة على ركبهم دون السماح لهم بتغيير وضعيتهم، بجانب شتمهم ونعتهم بلون بشرتهم السوداء".
شكواهم في رسالتهم الثانية لم تغفل الحديث عن الجانب الغذائي والذي وصفوه بالغير صالح للاستهلاك البشري، يقولون:"أن الماء الذي يشربه المعتقلون هنا غير صالح للاستهلاك البشري كما أن الأرز والفاصوليا التي نتناولها لم تتغير البتة منذ 15 سنة".
وذلك بالتأكيد:"سبب لنا الأمراض كالإسهال والتهاب الكبد وغيرها، ويعاني أحدهم من مرض القلب ونجا بأعجوبة من نوبتين قلبيتين ولم يعد قادراً على المشي لإصابة إحدى ساقيه، نتيجة القيود الموضوعة عليها".
تلك القيود كانت زادت على المحتجزين الكاميرون وهم (موافو لودو، بينقو بربي، ميكوب باودلير، أوفو زاتشري) عندما نشرت قضيتهم مطلع 2005 بعد أن سربوا رسالتهم الأولى، وأثيرت قضيتهم تحت قبة البرلمان لتعود للركود مرة أخرى.
يقولون في رسالتهم الثانية:"صدم مدير الأمن السياسي بنشرنا لما يحدث وحدث معنا داخل المعتقل لذا قاموا بتقييدنا بالسلاسل من الكاحل لمدة أشهر وظل الحرس يسيئون معاملتنا ويهددوننا بالموت في السجن".
وتضيف الرسالة: "ليست الإصابات البدنية هي ما نعاني منه وليست القيود التي نرتديها هي ما تغضبنا ولا الأمراض التي ابتلينا بها ولكنها الآلام النفسية والعقلية التي أحدثتها جميع هذه الأمور الغير عقلانية، الإحساس بالظلم زرع في نفوسنا المرارة، فقدنا الإحساس بالعالم الخارجي، انقطعت صلاتنا بعائلاتنا وفقدنا كل شيء، لم يعد بالإمكان قبول هذا تحت أي من الظروف ولم يعد بإمكاننا البقاء صامتين".
ويتساءل الكاميرونيون الأربعة في رسالتهم هذه :"ما الذي يمنع إطلاق سراحنا".
ويضيفون في ختام رسالتهم:"وانه لمن السهل جداً علينا التنازل عن مسؤولياتنا لمصلحة الحكومة ولكن جميع المخالفات والانتهاكات للقانون الإنساني الدولي بغض النظر عن مكان ارتكابها يجب أن يتم التحقيق فيها بصورة رسمية".
منوهين إلى أنه :"من ثم وجب علينا اتخاذ الخطوات الشجاعة لنضمن تقديم أولئك المتورطين أياً كانوا لنيل جزائهم ومحاسبتهم، إن أسوأ ما في أمر اعتقالنا لذا نحن نرجو منكم المطالبة بالإفراج عنا".
إلى ذلك أشار تقرير صادر عن منظمة الكرامة – مقرها جنيف- إلى أن العديد من الرعايا الأجانب في اليمن يتعرضون للاحتجاز التعسفي في السجون اليمنية، منوهين إلى عدم توفر إحصائيات عن أعدادهم، إلا أنهم غالباً يعايشون ظروفاً وأوضاع قاسية ولا يستفيدون من أي دعم عائلي أو وساطة معينة إذا لم تتدخل سفاراتهم.
وذكر التقرير المرفوع إلى لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة أن الكرامة كانت وجهت في الأول من أبريل الماضي نداءا عاجلا إلى المقرر الخاص بالتعذيب لدى الأمم المتحدة عرضت فيه حالة 5 رعايا كمرونيين محتجزين سرياً ودون أي إجراءات قانونية في مركز الأمن السياسي بصنعاء منذ مارس 1995.
وأكدت الفقرة في التقرير أنهم لم يمثلو أمام أي هيئة قضائية حتى اليوم، وأن أوضاعهم مأساوية منذ عدة شهور وأنّ حياتهم قد تكون مهددة.
نقلا عن صحيفة الغد